ANTOINE MESSARRA
 
   
   
   
   
     
   
 
     
 




La gouvernance d'un système consensuel

 

يشكل الكتاب الصادر باللغة الفرنسية للدكتور انطوان مسرّه مرجعًا في مجال اغناء نظرية الانظمة الائتلافية او المشاركة او التوافقية في لبنان وعلى المستوى الدولي ( ادارة النظام التوافقي: لبنان بعد التعديلات الدستورية سنة 1990 ، بيروت، المكتبة الشرقية، 2003، 600 ص). يركز الكتاب في ابوابه الاربعة على اشكالية فاعلية هذه الانظمة وحسن الاداء السياسي في مجتمع متنوع الاديان والمذاهب والممارسة المواطنية التي تحد من التبعية الزبائنية وطغيان الولاءات التحتية والانحرافات.

 

1. لبنان حالة تأسيسية في نظرية انظمة المشاركة : يظهر المؤلف ان لبنان اتخذ اساسًا منذ السبعينات كحالة نموذجية لبناء نظرية الانظمة الائتلافية أو المشاركة او التوافقية: بناء قومي بالمواثيق، ائتلاف حكومي واسع، ادارة ذاتية في بعض القضايا التي هي في لبنان الاحوال الشخصية وبعض شؤون التعليم، قاعدة المشاركة المضمونة، الفيتو المتبادل... وقد ساهم لبنان في اغناء النظرية غير المكتملة في يومنا. وتشكل هذه المقاربة منهجية وتصنيفًا للانظمة السياسية وليست نظامًا سياسيًا، اذ تتعدد اشكال انظمة المشاركة. فالحاجة تاليًا ليست الى النقد، بل الى البحث في الدينامية الذاتية للتغيير في هذا النمط من الانظمة.

يلاحظ المؤلف ان العديد من الباحثين وجدوا انفسهم مرغمين على اعتماد هذه المقاربة، لكنهم لا يتابعون منهجيتها، فيعودون بعد خطوات الى الانماط الذهنية للانظمة التنافسية او الاكثرية المحض مع الفرضية ان الانظمة التنافسية هي الوحيدة المعيارية، وبدون الاعتبار ان كل نظام سياسي يحتوي اساسًا على بذور فساده وافساده.

تبرز تاليًا الحاجة اليوم الى تنمية الابحاث النظرية والتطبيقية في آن حول سياسة التسوية والتوفيق بين مبدأي فصل السلطات والمشاركة، وتعددية الولاءات الاولية وادارتها ومفاعيلها، والادارة الذاتية في بعض الشؤون على اسس فدرالية شخصية غير مغلقة، وتوفر معارضة سياسية في اطار الائتلاف الحكومي الواسع...

ان العديد من المجتمعات، وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا وعدم انطباق انظمة محض تنافسية اكثرية في افريقيا، تنحو الى اعتماد انظمة تدمج بين الاطر التنافسية والتعاونية معًا تجنبًا للعزل الدائم.

ويشتمل الكتاب على تحليل للمادة 49 المعدلة من الدستور اللبناني التي تؤسس لدور متجدد لرئيس الجمهورية "كناظم للقاعدة الحقوقية" "ويسهر على احترام الدستور" (ص 159-164)، وتحليل لوثيقة الوفاق الوطني تاريخ 5/11/1989 في سبيل ارساء "ثقافة دستورية للجيل الجديد" (ص 189-202). ويقترح المؤلف دراسة الدستور انطلاقًا من مفهوم " الحدود " الذي هو ركيزة "روح الشرائع" لمونتسكيو، اذ يخضع تطبيق قاعدة الكوتا في توزيع المناصب لقواعد قانونية وادارية غالبًا ما يتم تخطيها تحت ستار: "هذا هو النظام الطائفي".

 

2. الادارة الديمقراطية للتنوع الديني: الدولة والاديان والمواطنية : ما يميز هذا الباب من الكتاب الابحاث حول اعتماد نظام "منفتح" في الاحوال الشخصية، وضرورة خلق "مجال عام محايد" لتوطيد علاقة انسجام بين الدين والدولة وللحد من استغلال الدين في التنافس السياسي او التطييف.

 

3. المواطنية دعمًا لدولة الحق : يعالج هذا الباب اشكالية الولاءات الاولية التي لا تشكل بالضرورة عائقًا تجاه المواطنية شرط توسيع المجال العام المشترك وتنميته. يقول الدكتور مسرّه: "ان الديمقراطية هي عجلة بدولابين على الاقل حيث الدولاب الاول هو الدولة المركزية الناظمة والضامنة لسلطة المعايير، وحيث الدولاب الثاني هو مجموعة المواطنين الواعين واليقظين والمشاركين والمراقبين والذين يلاحقون سلطة الدولاب الاول كي تكون السياسة ادارة للشأن العام وليس مجرد تنافس وتعبئة نزاعية وصراع نفوذ".

 

4. الثقافة الميثاقية وذاكرة جامعة للغد : يظهر المؤلف ان مناعة نظام المشاركة لا تكمن في التنظيمات القانونية فحسب، بل بخاصة في ترسيخ ثقافة ميثاقية وتوبة قومية رادعة هي ثمرة معاناة مشتركة. ويتساءل: "هل التاريخ هو فعلاً من العلوم... الانسانية؟" ويعرض 90 مؤشرًا لميثاق العيش المشترك واشكالية الهوية في مجتمع متنوع من خلال دراسة حالات وشهادات حية، وكذلك مخاطر الانغلاق وحظوظ الالتزام السياسي الواعي الذي يفكك شبكات الزبائنية * .

***

الكتاب هو حصيلة مداخلات ومحاضرات في مؤتمرات وطنية ودولية ومساهمات في ابحاث جماعية. وما يربطها هو اشكالية الحكمية او الاداء وطرح الشؤون القانونية والدستورية من منظور مقارن وانطلاقًا من ضرورة تحقيق فعالية القاعدة الحقوقية.

يكمن التجدد في الابحاث الدستورية المقارنة في اغناء نظرية انظمة المشاركة من خلال دراسة حالات مستخرجة من المختبر اللبناني الذي يصفه الكاتب بانه "مختبر مميز وحي على المستوى المقارن والدولي" ويقول: "ليس من المفارقة انه اذا اريد فعلاً تخطي الممارسات الطائفية فمن خلال منهجية انظمة المشاركة في سبيل استخلاص مواقع الانحراف والسياق الذاتي في التغيير".

ويستخلص بوضوح من الكتاب "ان لبنان انجز بناءه الدستوري على مستوى النصوص، ولا يعاني من مشكلة دستورية كبرى من ناحية النصوص، بل يشكو من مشاكل جمة في الاداء السياسي أو الحكمية، اي التطبيق والممارسة والقيادة والمشاركة التي تؤسس لديمقراطية راسخة وتنموية".

ويستخلص ايضًا ضرورة اعتماد سياقات في "ديمقراطية القربى" لترشيد مزالق "حكمية موحشة". "يقتضي، كما يقول الكاتب، تغذية الآمال في قانون دستوري مقارن وعلم سياسة في لبنان على مستوى الاشكالية اللبنانية في التعددية وادارتها. يشكل اعادة احياء معنى لبنان والتجربة اللبنانية في اطار عربي ومقارن تحديًا في الوضع الحالي الذي يتصف بتفاقم الزبائنية وتراجع التمايز الثقافي اللبناني وتقليص تدريجي للحقوق الاساسية".


* نفضل عبارة "زبائنية" المشتقة من زبون والجمع زبن ونفضل الاشتقاق من الجمع بالرغم من عدم صوابيته اللغوية وذلك تعبيرًا عن المدلول الأجنبي Clientélisme واللاتيني اساسًا الذي هو أشمل – في المضمون السياسي – من عبارة "محسوبية".

 

 
 
 

Home |  English |  Français |  Arabic |  Contact

 
2005 © Copyright. All Right Reserved  
Design by Kleudge