ANTOINE MESSARRA
 
   
   
   
   
     
   
 
     
 




النظرية العامة في النظام الدستوري اللبناني

 

التأسيس لثقافة دستورية لبنانية استنادًا الى الأبحاث المقارنة

يشكل الكتاب الصادر حديثًا للدكتور انطوان مسرّه مدخلاً منهجيًا ومقارنًا لدراسة النظام الدستوري اللبناني استنادًا الى الابحاث الحديثة والخبرة اللبنانية التي اتخذت اساسًا لبناء نظرية أنظمة المشاركة أو التوافقية او الائتلافية (انطوان مسرّه، النظرية العامة في النظام الدستوري اللبناني: ابحاث مقارنة في انظمة المشاركة، بيروت، المكتبة الشرقية، 2005، 462 ص).

يتصدر الكتاب تقديم للدكتور انطوان سيف بعنوان: "الثقافة الميثاقية التعددية دفاعًا عن معنى لبنان". انه نص سبق ان القي في تقديم المؤلف انطوان مسرّه يوم تكريمه كأحد "اعلام الثقافة في لبنان" في المهرجان اللبناني للكتاب الذي تنظمه الحركة الثقافية انطلياس. يقول انطوان سيف: "يندرج مسرّه في اطار فكر سياسي لبناني عريق في محاولته تلمس خصائص بنية لبنان. انه حركة ثقافية من نوع خاص. لم يقم أحد من قبل بوضع نظرية عامة شاملة للبنية السياسية اللبنانية وبالتأسيس للثقافة الميثاقية في لبنان".

يسعى الكتاب، في مقدمته، الى تنقية المفاهيم التي تسيء الى المقاربة المنهجية للنظام الدستوري اللبناني. يقول انطوان مسرّه: "اختزلت التوافقية في ادراك البعض بأنها مجرد بناء سياسي على اساس تفاهم متبادل، بينما التوافقية هي نمط مركب في اتخاذ القرارات. تطبق قاعدة الاكثرية – كما في كل الانظمة دون استثناء – ولكن بشكل مركب كما جاء بوضوح في المادة 65 في الدستور اللبناني المعدل في 21/9/1990 بموجب وثيقة الوفاق الوطني تاريخ 5/11/1989: ويتخذ قراراته (مجلس الوزراء) توافقيًا .... استعملت عبارة توافقيًا كنمط في اتخاذ القرارات ولا مجرد مساومة موحشة بين زعماء ودون ضوابط وقواعد حقوقية".

تجنبًا لمنحى شعاراتي في معالجة شؤون دستورية جدية، يلجأ الكاتب الى عدة عبارات مشابهة: انظمة توافقية، أو انظمة مشاركة، أو انظمة ائتلافية، تعبيرًا عن ذات المدلول.

 

تصنيف ومنهجية

يوضح الكتاب ان التوافقية ليست نظامًا سياسيًا، بل تصنيفًا ومنهجية في العلم الدستوري المقارن. تتعدد تاليًا الاشكال التنظيمية بتعدد الانظمة التي تنتمي من قريب أو بعيد الى هذا التصنيف. وقد تعتمد بعض البلدان نظامًا فدراليًا شخصيًا أو جغرافيًا، او قاعدة كوتا مغلقة أو منفتحة او جزئية، مكتوبة أو عرفية، أو تعتمد كبديل لها حكومات ائتلافية على أسس حزبية وليس على أسس بنيات ثقافية فرعية، أو يعتمد نظام انتخابي يضمن شمولية التمثيل، او ادارة ذاتية في بعض الشؤون (احوال شخصية، تعليم...)، حصرية أو موسعة، مغلقة أو منفتحة، توفيقًا بين حقوق فردية وجماعية...

يجمع الكتاب محاضرات في مؤتمرات دولية وعربية ولبنانية وأبحاثًا صدرت في مجلات ومؤلفات جماعية. ما يربط بينها المنهجية المقارنة للميثاق والدستور اللبناني وما يستتبع هذه المنهجية من تحليل واشكاليات واستنتاجات حقوقية في ممارسة الحكم والحياة العامة.

المبرر لنشر هذه الدراسات هو أهمية الثقافة الدستورية في لبنان لبناء دولة الحق والسلم الاهلي الثابت بخاصة للجيل الجديد. لا تقتصر هذه الثقافة على تقنيات تفسيرية لمواد من الدستور، بل تشمل ادراك فلسفة المواثيق والبناء الدستوري في مختلف بنوده وشموليته وموقعه في الدراسات المقارنة ومرجعيته كي تكون التحليلات متطابقة مع روحية النص ومضمونه.

بالرغم من الجهود التي بذلت في لبنان وفي مؤتمرات دولية عديدة شارك فيها المؤلف، وبالرغم من التحولات في لبنان خلال حروب 1975-1990 وانهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك يوغوسلافيا وتفاقم ظاهرة الاقليات والثقافات الفرعية في اطار العولمة، فان المقاربة المنهجية للبناء الدستوري اللبناني بحاجة الى مزيد من التعمق والتعميم والاغناء والتطوير مع التركيز على البعد المنهجي الذي هو منفتح على اشكال وصيغ متعددة ومتنوعة وفي كل الأحوال غير مغلقة. يعود التمييز عالميًا بين الأنظمة السياسية التنافسية والأنظمة التوافقية أو المشاركة أو الائتلافية الى السبعينات. ليست النظرية مستوردة في لبنان بل أكثرها اصالة لأن لبنان اتخذ اساسًا لبناء النظرية واغنائها.


نشوء الامم والمشاركة المضمونة وفصل السلطات...

من أبرز فصول الكتاب: "نشوء الأمم بالمواثيق" وهو دراسة مقارنة في أشكال البناء القومي (فصل 1)، و"معضلة المساواة والمشاركة في أنظمة الحكم العربية" (فصل 4) و"معضلة التوفيق بين المشاركة في الحكم والفصل بين السلطات" (فصل 12)، و"خصائص الفدرالية الشخصية" (فصل 13)، و"المضمون الثقافي والتربوي في الدستور اللبناني" (فصل 14)، و"تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة تأمينًا لمبدأ الانسجام بين الدين والدولة" حسب وثيقة الوفاق الوطني (الباب الثاني).

يقول انطوان مسرّه في خاتمة الكتاب: "ما قيمة الدساتير والتشريعات اذا افتقرت الى فلسفتها التاسيسية؟ وما فاعلية مختلف اساليب التنشئة السياسية والتربية التي نسميها وطنية اذا افتقرت الى قاعدة ثقافية جامعة لا يعاد النظر فيها والتشكيك بها في كل ظرف ومناسبة؟"

في سبيل بناء "ثقافة الاستقلال" يقول الكاتب: "الثقافة السياسية الاصيلة واللبنانية والعربية للجيل الجديد، اذا اتعظ من التجربة، هي انعزالية تقدمية في آن:

"- انعزالية في الحرص على الميثاق اللبناني في العيش معًا، ميثاق يربط ويوثق والعمل على حمايته وصيانته من اي اختراق خارجي، اذ لا تعلو أية قضية دولية أو عربية على قضية انجاح وحدة لبنان في تنوعه، بخاصة في الشرق الأوسط الذي تتقاذفه تيارات صهيونية وتعصب ومخططات تغيير جيوستراتيجية.

"- الانعزالية هذه (ونقول هذه، وليس الانعزالية خلال سنوات الحروب) هي التقدمية في أرقى معانيها، لأن حرص اللبنانيين على الميثاق يوفر الدور العربي اللبناني الرائد في المنطقة العربية والصورة الحضارية لمستقبل العروبة وللعلاقات المسيحية – الاسلامية ويجنّب العرب الانغماس في معارك طائفية أو اتنية.

"نبلغ سن الرشد السياسي بعد سنوات من الحروب اذا عرفنا وتعلمنا وادركنا ما نستقر عليه وما يتمتع بدرجة عالية من الثبات وما هو المتحول، وما هي مجالات التغيير."

 

الميثاق والدستور والحكمية

يميز الكاتب بين "الميثاق والدستور والحكمية" (ص 35) ويقول: "اذا كان تطبيق نمط التوافقية في لبنان اليوم، في كثير من جوانبه، هو بشكل موحش، فسبب ذلك لا يقتصر على طبقة سياسية بل ايضًا على نمط في الفكر السياسي يوفر الشرعية والبركة لممارسات مناقضة اصلاً لدولة الحق ولأبسط القواعد الحقوقية وذلك تحت شعار: هذا هو النظام! هذا هو ميثاق 1943! هذا هو ميثاق الطائف! ان تطبيق التوافقية ضمن قواعدها الحقوقية – وان كانت بعض هذه القواعد غير مثالية – هو الذي يؤدي الى تطوير ادائها الديمقراطي وحتى تخطيها. ولذا فان البحث المعمق في القواعد الحقوقية في الانظمة التوافقية، الذي لم يستأثر باهتمام كاف من الباحثين، يسد ثغرات على مستويات التحليل والممارسة والتقويم" (ص 38).

يظهر جليًا من الكتاب ان الأنظمة التوافقية، كنمط مركب في تطبيق قاعدة الاكثرية واتخاذ القرارات، ليست "خارجة عن القانون" أو "فلتانة" كما يبدو في بعض ممارساتها وفي تحليلات متسرعة.

يقول الكاتب: "قد تبدو الكتابة في الدستور والقواعد الحقوقية في لبنان اليوم ترفًا فكريًا أو اوتوبيا في زمن لبناني تخرق فيه المبادئ والثوابت وتستغل رمزية القانون لايهام الرأي العام بالاصلاح او لممارسة عدالة انتقائية. لكن في هذا الزمن بالذات الحاجة هي ملحة واكبر واكثر ضرورة لانقاذ الدستور وقواعده من التلوث والانتهاك وتوضيح المرجعية وتصويبها انطلاقًا من الأعمال التاسيسية والمؤسسين والرواد والابحاث المقارنة منذ السبعينات على المستوى الدولي".

 

 
 
 

Home |  English |  Français |  Arabic |  Contact

 
2005 © Copyright. All Right Reserved  
Design by Kleudge